صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
4544
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
ارتشى القاضي ردّ قضاؤه ، فإن ارتشى أحد أعوانه ليعين المرتشي ولم يعلم القاضي نفذ قضاؤه ، وعلى القابض ردّ ما قبضه ، ويأثم الرّاشي « 1 » . الرّشوة من الكبائر : قال الذّهبيّ : الكبيرة الثّانية والثّلاثون : أخذ الرّشوة على الحكم ، وقد استدلّ على ذلك بقوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( البقرة / 188 ) قال الذّهبيّ : لا تدلوا بأموالكم إلى الحكّام : أي لا تصانعوهم بها ولا ترشوهم ليقتطعوا لكم حقّا لغيركم وأنتم تعلمون أنّ ذلك لا يحلّ لكم ، وبعد أن ذكر الأحاديث الدّالّة على التّحريم « 2 » ، قال : إنّما تلحق اللّعنة الرّاشي إذا قصد بها أذيّة مسلم ، أو ليدفع له بها ما لا يستحقّ ، أمّا إذا أعطى ليتوصّل إلى حقّ له ، أو ليدفع عن نفسه ظلما ، فإنّه غير داخل في اللّعنة ، أمّا الحاكم فالرّشوة عليه حرام سواء أبطل بها حقّا أو دفع بها ظلما ، والرّائش ( وهو السّاعي بالرّشوة ) تابع للرّاشي في قصده إن قصد خيرا لم تلحقه اللّعنة وإلّا لحقته « 3 » . الهدية للحاكم رشوة أم لا ؟ سئل ابن تيميّة - رحمه اللّه تعالى - عن رجل أهدى الأمير هديّة لطلب حاجة ، أو للتّقرّب منه ، أو للاشتغال بالخدمة عنده أو ما أشبه ذلك ، فهل أخذ الهديّة على هذه الصّورة رشوة أم لا ؟ وهو إن أخذ الهديّة انبعثت نفسه إلى قضاء الشّغل ، وإن لم يأخذ لم تنبعث النّفس في قضائه ، فهل يجوز أخذها ؟ وقضاء شغله ، أو لا يأخذ ولا يقضي ؟ ورجل مسموع القول عند مخدومه ( سكرتير أو حاجب أو مستشار أو ما أشبه ذلك ) إذا أعطوه شيئا للأكل أو لغير قضاء حاجة ، فهل يجوز أخذها ؟ وهو إن ردّها على المهدي انكسر خاطره ، فهل يجوز أخذ هذا أم لا ؟ . أجاب - رحمه اللّه تعالى - عن الحالتين فقال : في سنن أبي داود وغيره أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هديّة فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الرّبا » « 4 » . وسئل ابن مسعود عن السّحت فقال : هو أن تشفع لأخيك شفاعة فيهدي لك هديّة فتقبلها . فقال له : أرأيت إن كانت هديّة في باطل . فقال : ذلك كفر وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ( المائدة / 44 ) . ولهذا قال العلماء : إنّ من أهدى هديّة لوليّ الأمر ليفعل معه ما لا يجوز ، كان حراما على المهدي والمهدى إليه ، وهذه من الرّشوة الّتي قال فيها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم « لعن اللّه الرّاشي والمرتشي » ، والرّشوة تسمّى البرطيل ، والبرطيل في اللّغة هو الحجر المستطيل فاه ، فأمّا إذا أهدى له هديّة ليكفّ ظلمه عنه أو ليعطيه حقّه الواجب كانت الهديّة حراما على الآخذ ، وجاز
--> ( 1 ) السابق ( 3 / 88 ) ، وقد أفاض التهانوي في أحكام رشوة المحتسب ، انظرها في الموضع المذكور . ( 2 ) انظر الأحاديث أرقام ( 1 ، 5 ) . ( 3 ) الكبائر للذهبي 142 - 143 . ( 4 ) انظر الحديث رقم 6 ، وقد تم تخريجه هناك .